الشريف المرتضى
229
تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل )
[ في أدلّة القائلين بورود التعبّد بخبر الواحد والجواب عنها ] وقد تعلّق مخالفونا بأشياء : أوّلها : قوله تعالى : فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ « 1 » . وليس يكونون منذرين لهم إلّا ويلزمهم القبول منهم . وربما قالوا : إنّ معنى الآية ولينذر كلّ واحد منهم قومه . وإذا صحّ لهم ذلك استغنوا عن التشاغل بأنّ اسم طائفة يقع على الواحد ، كما يقع على الجماعة ، وتعلّقهم في ذلك بقوله تعالى : وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ « 2 » وقوله تعالى : وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا « 3 » . وثانيها : قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ « 4 » وحظر الكتمان يقتضي وجوب الإظهار ، ولا يجب الإظهار إلّا للقبول . وثالثها : قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ « 5 » ، والظاهر يقتضي أنّ العدل في هذا الحكم بخلاف الفاسق . ورابعها : أنّ اللّه تعالى قد أمر رسوله صلى اللّه عليه وآله وسلم بالابلاغ في مواضع من الكتاب لا تحصى ، والإبلاغ يكون بالتواتر والآحاد معا ؛ لأنّه لو اختصّ بالتواتر وما يوجب العلم لوجب أن يكون العلم بفروع العبادات كالعلم بأصولها ، وكذلك فروع المعاملات كلّها ، ومعلوم ضرورة خلاف ذلك . وخامسها : وهو الطريقة الّتي بها يصولون ، وعليها كلّهم يعوّلون ، وإيّاها يرتضون ، وترتيبها أن الصحابة مجمعة على العمل بأخبار لا تبلغ التواتر ، وذلك أظهر فيما بينهم من كلّ شيء كان ظاهرا ، ويذكرون رجوعهم في وجوب الغسل بالتقاء الختانين إلى أزواج النبيّ صلى اللّه عليه وآله وسلم عند اختلافهم في ذلك ، وعمل عمر بن الخطّاب بعد التوقّف والتردّد في جزية المجوس على خبر عبد الرحمن ، ثمّ
--> ( 1 ) سورة التوبة ، الآية : 122 . ( 2 ) سورة النور ، الآية : 2 . ( 3 ) سورة الحجرات ، الآية : 9 . ( 4 ) سورة البقرة ، الآية : 159 . ( 5 ) سورة الحجرات ، الآية : 6 .